وزراء تكنوقراط


حميد قاسم

منذ أكثر من سبع سنوات وأنا -مثلكم – في قلب الأزمة، طائعاً مختاراً، كما يذكر ابناء التراث، والازمات، والمقتاتون على الماضي، وجثثه، وحتى عظامه التي بليت.. ، بعيداً عن زمن الدفان علي العميه وإعلاناته في الفيس بوك العراقي..!

واحدة من رزايانا الكبرى تكمن في بنية المظاهرات والاحتجاجات ” المنظمة” التي ظهرت منذ شباط -فبراير- ٢٠١١ ومازالت مستمرة حتى الجمعة القادمة في بغداد.. ربما، وربما تستمر بعدها.

اعني الاحتجاجات التي التحقت مبكرة بما سمي “الربيع العربي” بعد ان آل هذا الربيع الى مصيره التراجيكوميدي في مصر وليبيا وسوريا واليمن، وحتى تونس التي قَص شبابها شريط الافتتاح قبل الجميع..حسنٌ إذاً، لقد قلنا ان معركة الحرية والحقوق والديمقراطية معركةٌ طويلة، لا تنجز في يوم وليلة، قد تبدأ في ساحة التحرير، لكنها لن تنتهي الا في ميادين البلاد كلها، مؤسساتها، وبيوتها، ونفوس ناسها طبعا كذلك. ولكن أي حقيقة نواجه في ظل الفساد المريع والفوضى العارمة التي تتحكم بمصائرنا؟

اليوم ينظر البعض الى ماحدث من تغييرات وزارية محدودة على انه حدث تاريخي، جاء استجابةً لما فعلناه بحضورنا المواظب في الميدان منذ اكثر من خمس سنوات..فيما ينظر البعض الى هذه التغييرات بازدراء موجهٍ للفعل الاحتجاجي، لا للعملية السياسية الكسيحة التي يرى فيها بابا من باب الغنائم، لا لسببٍ آخر..!ما الذي يعنيني كمواطن عراقي بعيدا عن كوني محتجا او معترضا، او معارضا، مما حدث؟الحقيقة، ان الامر ليس كذلك، لم نحقق نصرا تاريخيا، ولم نهزم او نخُدع.

هنا أحتكم لصديقي د. نصير غدير الذي كان واحدا من ناشطي هذا الحراك وموجهيه منذ إرهاصاته الاولى حتى انقطاعه بعد مغادرته الى بريطانيا منتصف العام الماضي إذ يرى ” أي واحد يعتقد أن مدير أكبر شركة نفط عراقية، ومستشار وزير النفط، وأن رئيس جامعة وملحقاً ثقافياً هم أناس مستقلون، ولا يخضعون للمحاصصة، وقد جاؤوا إلى المناصب لأنهم تكنوقراط، هو شخص مخدوع، لان هذا البديل  كان محوراً في فعاليات الوزارة على مدى العشرين سنة الماضية لكي يصلح الوزارة، ولن يصلحها”. وان ما يحدث ليس أكثر من انتصارات شكلية، فيما بلدنا بحاجة إلى إنقاذ لا أمجاد شخصية شكلية…

الحقيقة التي ينبغي ان نعترف بها – نحن المنشغلين والمنهمكين بفعل الاحتجاج- ان  من جاء بالوزراء الجدد هو ضغط الحراك المدني أو الشعبي، مع انه ليس فينا من جلس واختار أحداً من هؤلاء.نعم هناك لجنتان جلستا واستغلتا قوة وجودنا في الشارع وحراكنا الدؤوب لصالحهما، الأولى هي لجنة الصدر لتشكيل حكومة تكنوقراط، وقد تفلترت ترشيحاته بلجنة ثانية هي لجنة العبادي التي قبلت من لجنة الصدر مقدار حصة التيار الصدري في الحكومة…

هذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة مطلقةً، كما يرى د. غدير، وليس الحقيقة العوراء التي يراها براغماتيون يروّجون لفكرة الانتصار العظيم والانعطافة التأريخية الكبرى التي احدثها وجود جماهير غفيرة في ساحة التحرير، حركتها “الشخصيات” المدنية قبل ان تلحق بها “حشود موجهة” انقسم المدنيون بشأنها قبل ان يخلوا الساحة لهم، بحضور خجول منكسر.. وانسحاب لا بدّ منه..!

المعركة طويلة ولا ننتظر نصرا سريعا، دراماتيكيا او تراجيديا، نحن نحفر بأبرة، نتدرب على خوض معركة الحقوق والحريات واقصاء الفساد، وتحقيق الديمقراطية، ندرب انفسنا وشبيبتنا على امتلاك الصبر والتحكم بالنفس الطويل  والرهان على الوقت..