في افتتاحية جريدة الحقيقة .. فالح حسون الدراجي يكتب عن تبرع الكاظمي براتبه لمقر الحزب الشيوعي


ماذا يعني تبرع الكاظمي براتبه للحزب الشيوعي العراقي ؟

فالح حسون الدراجي

سرّبت بعض الوسائل الإعلامية العراقية، خبراً عن تبرع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي براتبه الشهري وقدره ثمانية آلاف دولار الى الحزب الشيوعي العراقي، منضماً بذلك الى (حشد) المتبرعين من الشيوعيين وغير الشيوعيين لإنشاء بيت أو مقر جديد للحزب الشيوعي، بعد أن أنهكت الحزب إيجارات مقره الكائن في ساحة الأندلس، ما دفع الشيوعييين لإطلاق حملة شعبية واسعة للتبرع.

وقد تأكد لنا شخصياً – ومن عدة مصادر – صحة خبر تبرع الكاظمي

..

وهنا يمكن لأي عراقي أن يسأل: لماذا تبرع الكاظمي براتبه للحزب الشيوعي، وما معنى ذلك، خاصة وأن الرجل ليس بحاجة الى (دعاية) انتخابية، فالإنتخابات قد انتهت منذ خمسة أشهر.. كما أنه لا ينتظر من وراء تبرعه هذا أية مصلحة شخصية؟.

زد على ذلك، أن التبرع الى الحزب الشيوعي لا يجلب للمتبرع، الرضا من القوى السياسية العراقية، ولا ينال عليه الشكر من حيتان المال والقرار في العراق.

فالشيوعي يعد اليوم عدواً شرساً لكل حزب أو حركة سياسية، أو شخصية، سرقت أو ساعدت على سرقة قوت الشعب، فالحزب الشيوعي، كان وسيبقى، مشروعاً نزيهاً مترصداً لكل فاسد ومرتشٍ ومختلس، ولكل من أوصل الدولة العراقية الى ما هي عليه الآن من وهن وبؤس وانحطاط ..

وهذ يعني – ضمناً-  أن أغلبية القوى السياسية والدينية القابضة على مقاليد الحكم والثروة في العراق، غير سعيدة بوجود هذا الحزب، لذا فهي تتمنى زواله من الخارطة السياسية !

وهنا تحضرني حكمة أطلقها “لينين” يقول فيها: ( يتمنى المصدور – أي المسلول- أن يبصق في كل الأواني، ليمرض الجميع مثله)..

وملخص القول، أن تبرع الكاظمي هذا سيرضي ويسعد الجماهير الشعبية حتماً، فالجماهير  كما معروف تحترم الحزب الشيوعي وتمتدح نزاهته ونصاعة يده دائماً، كما تقيّم بأعلى درجات التقييم تاريخه النضالي الوطني والطبقي.

لكن في الوقت ذاته، فإن هذا التبرع لا يرضي حيتان السياسة حتماً!

فأية شجاعة لدى الرجل، وهو يقدم راتبه الشهري على طبق من الحب الصادق لحزب وطني شريف، رغم كل شيء ..

والسؤال السابق يتكرر هنا: لماذا أقدم الكاظمي على هذه الخطوة إذاً .. ؟ولماذا لم يخصص للحزب الشيوعي العراقي عقاراً من عقارات الدولة – وهي كثيرة، بدلاً من التبرع براتبه ؟

والجواب كما أرى واعتقد، أن الكاظمي مواطن عراقي حاله حال أي مواطن بسيط آخر، يحترم الحزب الشيوعي العراقي ويحبه، وقد عبر عن حبه واحترامه للحزب في مناسبات سابقة عديدة، وبهذا التبرع أراد الكاظمي أن لا يتميز عن غيره، فتبرع مثل الذين تبرعوا، كما أراد أن يبعث برسالة ضمنية، فيها الكثير من إشارات التأييد، والدعم، والشكر أيضاً لهذا الحزب، وكأنه يقول للشيوعيين: ” شكراً لكم، ولنزاهتكم وقيمكم، والتزامكم بالقوانين، والف شكر لأنكم لم تمدوا يداً الى عقارات الدولة، ولم تستولوا على شبر واحد من املاكها، بل حتى لم تطلبوها مني أو من غيري، وهذا لعمري استثناء باهر لم يأتِ من غيركم قط ” .

ولعل ( المسج ) الذي أراد أن يبعثه الكاظمي عبر الآلاف الثمانية التي تبرع بها، هو أنه فتح الباب أمام زملائه في الحكومة، واصدقائه في الميادين الأخرى، لأن يتبرعوا لهذا الحزب الذي يستحق التبرع والدعم ..

بقي شيء أخير قد لا يخطر على بال الكثير من الناس، وهو أن الرئيس الكاظمي، الذي تبرع مثلي، ومثل آلاف العراقيين الذين تبرعوا لإنشاء هذا البيت الجميل، يحتاج مثلنا لهذا (البياض) الناصع من أجل ( تبييض) ما يلحق بأيامه وأيامنا من نقاط سود قد لا نكون مسؤولين عنها، وسيحتاج الكاظمي أيضاً مثلنا، لهذا (الجمال)، لكي نجمّل به قبح ما يلحق بحياتنا من خراب حيث ندري أو لا ندري..

صحيح أن الكاظمي تبرع  مثل الكثيرين، لأسباب وطنية وأخلاقية وسياسية وإنسانية، لكنه تبرع أيضاً من أجل هدف آخر، أراد به أن يترك لأبنائه كنزاً ذا قيمة، ووديعة غالية، ستحفظ في بنك آمن ومؤمن.. وهل ثمة وديعة أغلى من دعم مشروع وطني وانساني واخلاقي كمشروع إنشاء بيت لحزب الشهداء والنزهاء والفقراء، وهل هناك بنك آمن مثل ضمائر الناس، حيث ستودع وتسجل التبرعات للحزب الشيوعي في تلك الضمائر وبحروف من نور.. غداً سيفخر الأبناء بآبائهم المتبرعين.. وأولهم بالفخر أبناء الرئيس مصطفى الكاظمي .