شكرا لاأريد أن أدفن في النجف


هادي جلو مرعي
لاأدري صحة ماوصلني عبر الواتساب، ويؤكد أن أحد المصارف الأهلية يبعث برسائل نصية عبر الهاتف الى المواطنين العراقيين الأحياء لحثهم على شراء قطع أراض في مقابر نموذجية في محافظة النجف التي تبعد عن بغداد مسافة 180 كم تقطعها السيارة في وقت قد يصل الى الثلاث ساعات، وعبر طريقين يمتدان عبر مسافات شاسعة، أولهما الطريق القديم، والثاني الطريق الدولي الذي هو أحدث بكثير من الأول.
يتحدث كثر من المواطنين الذين ألتقيهم، وأعيش معهم منذ أن بدأت أجيد سماع الكلام عن شراء قطع أراض في الصحراء التي تمتد قرب النجف ليتخذوها مدافن لهم إستعداد لرحلة الآخرة، وكذلك لذويهم، وكان الأمر بدائيا للغاية، فهم يتعاقدون في الغالب مع الأشخاص والأسر المعروفة بتسمية (الدفانة) الذين يهيئون الأرض، ويحفرون القبر، ويبنون عليه البنيان، ويضعون شاهدا يكتب عليه آيات من القرآن ( كل نفس ذائقة الموت) أو أبيات من الشعر
ياقاريء كتابي إبك على شبابي
بالأمس كنت حيا واليوم تحت التراب
ثم إسم الميت، ولقبه، وتاريخ وفاته.
وكان البعض يشتكي من تعد الآخرين على تلك الأراض المملوكة لهم، وفي الغالب يضطر البعض لدفن موتاهم في مساحات مملوكة لغيرهم، ومنهم من يفعل ذلك مطمئنا أن الأرض تعود لقريب، وسيحصل على الإذن والرضا منه لاحقا، ويدخل البعض في نزاع حاد.
في كل مدينة وقرية هناك مدافن، وفي بعض المدن الكبرى كالقاهرة أكثر من مقبرة، ويصر الناس في العراق على دفن موتاهم في صحراء النجف لقدسيتها، ولقربها من مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. ولذلك من النادر أن نجد في المحافظات ذات الغالبية الشيعية مقابر كالتي لدى طوائف أخرى لايتحرج أتباعها من الدفن في مقابر متعددة في المدن والقرى.
أزعجني الإعلان عن الإستثمار في القبور، وتخصيص مصارف لتلقي الطلبات، ودفع أموال لقاء شراء تلك الأراض، وكنت أرجو أن أتلقى رسائل نصية مختلفة تبعث الأمل والرغبة في الحياة، فكل مايحيط بنا هو موت مجاني، ولاقيمة لحياة الناس هنا، وكم كنت اتمنى أن أرى الحدائق والأشجار والأزاهير تحيط بمرقد علي عليه السلام، وتمتد الطرق الحديثة والبنايات والمدارس والجامعات والمراكز البحثية، وأشكال الحياة الأخرى في واحدة من أشرف بقاع الأرض وأطهرها ويكفيها شرفا أنها تحتضن ذلك الجسد الطاهر النقي.
قلت لأحدهم كان يتحدث لي عن المقبرة النموذجية: شكرا لاأريد أن أدفن في النجف لأنني أريد أن أنجز بناء بيت لي، أما الدفن في النجف فهو شرف قد لاأستحقه.