صابر الدوري في ذمة العراقيين الشرفاء


بليسان قيصر

في الحقيقة لا أعرف الأستاد صابر الدوري، فأنا وعائلتي لاعلاقة لنا بالشأن العسكري لا عن قريب ولا عن بعيد، ولسنا من سكان محافظة كربلاء التي كان السيد الدوري محافظا لها، مع ان سمعته في المحافظة بلغت الآفاق، ولم أقرأ أو أسمع أحد يقدحه، بل على العكس الجميع تشيد بأخلاقة وحسن معاملته ونزاهته ولا اعرف السبب وراء محاكمته هو وبقية رموز النظام السابق.
تؤكد حكومة الاحتلال بأن الرئيس العراقي صدام حسين كان دكتاتورا، والويل لمن كان يعصي امره، وقد أعدم صدام عددا من خيرة ضباط الجيش العراقي في الحروب السابقة لأسباب متعددة، ثم تراجع عن معظمهما واعتبرهم شهداء، وتم أعدام صدام حسين في محاكمة هزيلة بسبب محاولة الإغتيال التي تعرض لها في قضاء الدجيل خلال الحرب الضروس مع ايران، وعلى أثرها قامت القوى الأمنية بإعدام وتصفية عدد غير قليل من أهل الدجيل، بمعنى ان الحكومة والقضاء العراقي حملا صدام خسين المسؤولية الكاملة عن ضحايا الدجيل على الرغم من أن صدام لم يقصف او يعدم او يقاضي أهل الدجيل بنفسه، وانما نفذها المسؤلون الحكوميون من عسكريين ومدنيين، لكنه تحمل المسؤولية بإعتباره رئيسا للجمهورية.
ولو طبقنا هذا المفهوم على ما جرى في تظاهرات الفلوجة والبصرة وسبايكر والموصل ونتهاءا بتظاهرات الأول من تشرين، وما افرزته من مذابح جماعية فاقت ضحايا الدجيل بعشرات الأضعاف، فيفترض اعدام جميع رؤساء حكومات العراق من اياد علاوي والجعفري ونوري المالكي والعبادي اسوة بصدام، بإعتبارهم المسؤلين عن قتل وخطف واعتقال واغتيال العراقيين، هذا هو المنطق الذي عملوا به مع الرئيس صدام حسين.

اقول لرئيس الحكومة العراقية الحالية أو من سبقوة، لو افترضنا جدلا ان القائد العام للقوات المسلحة خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، كلف أحد قادة الفرق بالتقدم على أحد المحاور، وان هذا القائد رفض تنفيذ الأمر. اليس من حق القائد العام ان يعتبره متمردا على أوامره ويحيله الى لجنة تحقيقة، وحسب القانون العراقي العسكري فإنها تعد جريمة مخلة بالشرف العسكري وعقوبتها الإعدام.
فهل تريدون من الفريق الدوري أن يرفض تنفيذ أوامر الرئيس صدام حسين لترضوا عنه، أو تترضوا عنه؟ مع أن السيد الدوري لم تتلطخ يداه بدماء الشعب العراقي، على العكس كان أمينا على هذه الدماء، وكان ينفذ الأوامر، ومن يصدر له الاوامر هو الذي يتحمل مسؤولية تلك الأوامر، واي انسان سواء كان عسكريا أو مدنيا يفهم هذا المنطق اللهم إلا الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس، وارتضوا أن يرموا بأنفسهم الى التهلكة في الحياة الدنيا والآخرة.
حكى لنا أحد اصدقاء والدي هذه الحكاية في التسعينيات من القرن الماضي، وكان صديقا للسيد محمد الدوري اخو البطل صابر الدوري، قال اصطحبني السيد محمد الدوري في زيارة الى مديرية الإستخبارات العسكرية عندما كان السيد صابر يترأسها، وفي مكتب مدير مكتبه تكلم السيد محمد عن رجاء لمساعدة احد الأيتام والوحيد لأمه الذي سيساق الى الخدمة العسكرية بعد شهر تقريبا، وتفاجأت عندما علمت ان هذه السيدة تعمل منظفة في نفس الدائرة التي يعمل بها السيد محمد الدوري وأذكر اسمها (أم محمد)، وقال مدير المكتب انه سيبذل جهده لمساعدته، بعد أن أخذ اسمه الكامل، وعنوانه (مدينة الثورة) في حينها، وخرجنا دون المرور بالسيد صابر الدوري. سألت محمد: لماذا لم تطلب ذلك من اخيك؟ أجاب انه لا يقبل بالوساطة مطلقا، لذلك احاول مساعدة الناس عن طريق معاونه او مدير مكتبه.

وقال أن أم محمد امرأة فقيرة لا حول لها ولا قوة، وتستحق المساعدة، فزوجها شهيد في الحرب العراقية الايرانية، ولها منه ابنها محمد فقط، انها انسانة طيبة ومؤمنة، وسألتني مرة واحدة فقط منذ فترة ولم تكررها دلالة على عزة نفسها. هذه مجرد مأثرة بسيطة تدل على القيم الوطنية والمآثر الطيبة المتأصلة في هذه العائلة الكريمة، وفي جعبة أهالي كربلاء المزيد المآثر الخالدة للسيد صابر الدوري، سيما في علاقاته الطيبة من مرجعية النجف وكربلاء.
وهنا اقول للمرجعية: هل يرضيكم عدم اطلاق سراح السيد صابر مع انتهاء محكوميته؟ وماذا يقول شرع الله بهذا الشأن؟ قولوا كلمة حق واياكم والسكوت، فالله تعالى لا ينسى فعل الظالمين ولا الساكتين عن الظلم. والحكومة تتبجح دائما بأنها تعمل وفق توجيهاتكم الرشيدة حسب زعمهم.
في الحقيقة تعجبت من القصة وهي حقيقية مائة بالمائة وراويها شاهد عيان موثوق، وتعجبت كيف يقوم اخو رئيس الاستخبارات العسكرية بمساعدة الناس الضعفاء، وكيف انه لا يجرأ على مفاتحة أخيه الأكبر حول طلب إنساني بحت، لأن الأخير يرفض الوساطة متها كان شكلها.
هذه هي أخلاق هذه العائلة الكريمة التي قدمت للعراق الشيء الكثير، ويفترض بالعراقيين الشرفاء أن يقفوا بقوة مع إطلاق سراح البطل الصنديد، والمحافط الرشيد صابر الدوري، أضم صوتي مع جميع الأحرار للمطالبة بإطلاق سراحه فورا. ان الشعب العراقي الصابر يقف بقوة مع السيد صابر.

بيلسان قيصر
البرازيل
حزيران 2020