في ليلة إعدامه.. كيف أصبح شقيقي خيون شيوعياً وهو في العاشرة من عمره ؟!


فالح حسون الدراجي
في حياة كل إنسان، موقف أو مشهد مهم ومؤثر قد يصنع فارقاً في حياته، وقد تمر به لحظة تغيرُ وتبدلُ كيانه كله.
وهذا ما حصل مع شقيقي الشهيد الخالد خيون حسون الدراجي ( أبو سلام ).
فقد صنعت الأقدار من لحظة طبقية مرت عابرة في صباه، تأريخاً مجيداً له ولنا، سنفخر به نحن أهله ورفاقه وأصحابه جميعاً ..
لنبدأ مع النهر من منبعه :
في تموز عام 1960 ، كنا نسكن في ناحية كميت القابعة في أقصى أقاصي الجنوب، حيث ولدتُّ فيها، كما ولد فيها أبي وأمي وأغلب كبار السن من أهلي.
في تلك السنة، بدأت قوى الثورة المضادة الإنتقال الى الصفحة الثانية، صفحة التصعيد من فاعلية عدائها للزعيم عبد الكريم قاسم، خاصة بعد فشل محاولة اغتياله في شارع الرشيد عام 1959، وقبلها فشل حركة الشواف في الموصل، واحداث كركوك الدامية التي راح ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء؛ وقد رافق كل ذلك ارتفاع واضح في منسوب الإعلام القومي المصري المعادي للزعيم، والمدعوم ضمناً من الإعلام البريطاني.
ولم يكن الزعيم وحده هدفاً لهجمات القوى المضادة، بل كان جمهوره ايضاً، والقوى السياسية والديمقراطية، وكل منجزاته، وأولها قانون الإصلاح الزراعي، وغيرها من المنجزات، أهدافاً للأعداء.
وقد شملتنا – نحن شريحة الفقراء المعدمة- هذه الهجمة الشرسة المعادية، فأصابتنا في رزقنا رغم شحته، وبات حصولنا على لقمة عيشنا في كميت أمراً صعباً للغاية.
لذلك، قرر الوالد الإستجابة لضغوط وطلبات بعض أقاربه النازحين قبله الى العاصمة بغداد، فوافق مكرهاً على حمل فراخه والهجرة الى حيث يقال أن الحصول على لقمة العيش في بغداد ليس بالأمر الصعب!
فسافرنا في باص خشبي قديم، استأجره والدي (خصوصياً) لنا، ووصلنا بغداد بعد رحلة طويلة استغرقت يومين كاملين، بسبب وعورة الطرق – حيث كانت السيارات وقتها تسلك طريق الشوملي الترابي، أما الشارع السريع الحالي فلم يكن معبداً، بل لم يكن موجوداً أصلاً ..
أرحنا ركابنا في كراج حجي منيشد في منطقة باب الشيخ ليلاً، حيث كان هذا الكراج بمثابة كراج النهضة الحالي، أو كراج علاوي الحلة !
كان والدي رحمه الله قد اشترى لنا بيتاً خلف السدة الشرقية في منطقة راغبة خاتون، أو كمب الصليخ كما تسمى آنذاك قبل ان نأتي الى بغداد بأسبوع، وهذا (البيت) الذي كان سعره عشرة دنانير ، عبارة عن صريفة، فيها غرفتان طينيتان، ومرحاض وحمام طيني لا غير؛ وكانت منطقة الصرائف كلها بلا ماء ولا كهرباء، فكنا نستخدم الفوانيس في الإنارة، بينما نحصل على الماء الصالح للشرب من خلال عدد من صنابير الماء، كانت قد وضعتها (مصلحة إسالة الماء) وسط منطقة الصرائف، تجلب منها النساء والأطفال ماتحتاجه العوائل من الماء للشرب والطبخ والغسيل.
وكي أرسم الصورة واضحة، فقد كانت السدة الشرقية التي أنشئت لدرء الفيضان الكبير الذي اجتاح بغداد عام 1926 ، تفصل بين عالمين مختلفين تماماً، فمئات الأمتار في الطول وخمسة عشر متراً في الإرتفاع، كانت كافية لأن تخلق كل هذه الفجوة الطبقية الهائلة.
نعم، فقد كان سكان الصرائف الذين يقيمون خلف السدة، يعيشون حياة أشبه بحياة القرون الوسطى، بينما سكان البيوت الذين يقيمون أمام السدة غير ذلك تماماً !
كانت ثمة مدرسة إبتدائية تسمى مدرسة الحارث للبنين ، وكانت هذه المدرسة التي تقع آنذاك قرب جامع العساف في راغبة خاتون، أشبه بمدرسة خاصة لأبناء الطبقة المتمكنة، وكان الطلاب القادمون من جهة الصرائف أشبه باللاجئين، اذ كانت المعاملة من قبل الإدارة مختلفة بين هؤلاء الطلبة، وبين أولئك.
ولعل المعاناة الكبيرة التي كان يعاني منها الطلبة من ابناء الصرائف، تكمن في فصل الشتاء، وتحديداً في الأيام الممطرة، حيث يأتي طلبة الصرائف وأحذيتهم البلاستيكية محملة بالوحل والطين، بينما نجد ان المدرسة كانت نظيفة، وأنيقة، يرتادها طلاب في غاية النظافة والأناقة واللباس الحديث المميز، خاصة وأن أغلبهم من ابناء كبار الضباط، والقضاة، والطيارين، والتجار، والمهندسين، وميسوري الحال؛ لذلك، كنا نقف – نحن ابناء الصرائف فقط – في صباحات الأيام الممطرة، وعددنا يتجاوز السبعين طالباً، في طابور طويل عند باب المدرسة، يحمل كل واحد منا حذاءه بيده، وفي الشارع العام حيث يقف فراش المدرسة – لا أتذكر اسمه الان – حاملاً بيده خرطوم مياه كبير (صوندة)، يسكب منها الماء، بينما يقوم الطلبة المساكين بغسل أحذيتهم من الطين، وهم حفاة، وكان الفراش جافاً غليظاً، يبالغ في نظافة الأحذية بحيث يستغرق الأمر اكثر من ساعة، فكان من الطبيعي أن يضيع علينا الدرس الأول من كل يوم دراسي ممطر.
وفي صبيحة يوم ما من تلك الأيام، جاءت اللحظة الفاصلة في حياة أخي خيون، فقد كان الدور دوره في غسل حذائه البلاستيكي، وتنظيفه من وحل السدة الترابية التي تتحول الى سدة طينية تماماً أثناء الأمطار.
وبينما كان أخي يجلس القرفصاء منحنياً، يحمل الحذاء بيد، والصوندة باليد الأخرى، كان الطلاب من أبناء الذوات يأتون الى المدرسة واحذيتهم تلمع، وملابسهم مكواة، ومرتبة ترتيباً باهراً ومبهراً، يمرقون من أمامنا وهم يضحكون من رداءة أنواع أحذيتنا، ويسخرون من ملابسنا المبتلة، وهيئاتنا غير النظامية، فيدخلون الكراهية في صدورنا بحركاتهم الإستفزازية؛ وفي تلك اللحظة التي حدثتكم عنها، أراد أحد الطلبة – وكان ابن أحد الضباط الكبار، وأظنه ابن الزعيم شمس الدين عبد الله – لست متأكداً من ذلك – أراد المرور نحو باب المدرسة، وكان خيون يسد ربما جزءاً من الطريق عليه، وبدلاً من أن يستأذنه بلطف ليفسح له الطريق كاملاً، قام بركل شقيقي فأسقطه على وجهه، فضحك زملاؤه بشماتة ولؤم واضحين، لكن خيون ذا الكبرياء والكرامة المعروف بهما رغم صغره سنه، نهض من سقطته تلك بسرعة، وقفز كالليث باتجاه ذلك الطالب، لكن الحظ وحده أفلته من يديه، فدخل المدرسة مسرعاً وأغلق الباب من خلفه.
في تلك اللحظة كنت اقف قبالة أخي، فنظرت اليه مقهوراً حزيناً فرأيت دمعة كبيرة تنزلق على خده، وأدركت في تلك اللحظة أن خيون قد جرح بكرامته وفي كبريائه، وأن ظلماً قد استفز كل ما حاول المحافظة عليه، فأسقط هذه الدمعة..
في تلك اللحظة الطبقية القاتلة، نهض خيون وارتدى حذاءه ورمى الصوندة من يده، وغادر المدرسة نحو بيتنا خلف السدة ولم يعد اليها حتى هذه اللحظة، وقد كان وقتها في الصف السادس الابتدائي، لكنه عوض الصف الدراسي بالصف الحزبي، مثلما عوض الكتب المدرسية بالكتب الأدبية والسياسية والاقتصادية، حتى بات على اطلاع وقدرة وتأهيل كافٍ لمجادلة ومناقشة خصوم لديهم شهادات دراسية عالية !
نعم، لقد كانت تلك اللحظة الخرافية جرساً منبهاً لطبقية خيون المهانة والمسحوقة، والمضحك عليها سخريةً واستهزاءً، فأيقنت أنه قد انتمى للعقيدة الشيوعية في تلك اللحظة وليس في غيرها، وأنه إنحاز بكل كيانه للطبقة الكادحة قبل ان يتعرف على ماركس وينحاز الى لينين، ويعجب بسلام عادل حد الإفتتان والدهشة.
لذلك بقي خيون مخلصاً لجرس تلك اللحظة، ومخلصاً لدرسها العظيم، فارتقى أعواد المشنقة وفاءً وامتنانا للحزب الشيوعي الذي وفر له المساحة والفرصة الكافية لأن يثأر لكرامته وطبقته، عبر ارتقاء سلّم الشهادة والمجد الوطني والطبقي العالي.

اخبار عشوائية