لماذا أعاد الكاظمي الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي لجهاز مكافحة الإرهاب؟


لم يصدم قرار رئيس مجلس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بإعادة الاعتبار الى الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، من يعرف التزام ومهنية رئيس الوزراء التي عُرفت عنه في المسؤوليات التي تولاها، وفي المواقع التي تدرج فيها، فالرجل يضع المهنية فوق كل اعتبار، ويبحث عن استثمار مواطن القوة بشكل أمثل، ويعمل على نزع مسببات الفشل، أو مواطن الإثارة، لذا فأن عهداً مسؤولاً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى قد بدأ الآن، وأننا إمام تحول جذري في شكل وأداء منصب القائد العام للقوات المسلحة الذي يشغله الآن، شخصية ذات خلفية أمنية محترفة، وخبيرة في مجالات الأمن الوطني والإقليمي وحتى الدولي.

لذا فأن مراقبين أمنيين، قرؤوا  القرار، القاضي بإعادة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي لموقعه السابق، مع ترؤسه لجهاز مكافحة الإرهاب، قراءة مغايرة لما شاع، عن أن الكاظمي أراد “تطييب خاطر” الساعدي فحسب او حتى أنه يأتي في إطار الاستجابة لمطالب المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بإعادة الرجل لموقعه المناسب مقاتلاً شرساً ضد الإرهاب كما عرفوه، ومع عدم الانكار بأن هذا السبب قد يكون واحداً  من بين الأسباب، لكن المراقبين، رؤوا ايضاً،  أن القرار ينطوي على تحدي واستجابة، فالتحدي تمثل في العودة المقلقة لتنظيم داعش الإرهابي، وفلوله الهاربة من سوريا، والتي لا تزال تتنفس تحت الأرض، وتنشط كلما وجدت الفرصة مهيأة امامها، فكانت الاستجابة هي بتفعيل أكثر الادوات فاعليةً في مكافحة هذه ” الجائحة” الحقيقية، وبمعالجات مجربة، ومن مختبرات النصر العراقي الذي انتج معادلة انتصار كاسح على أخطر تنظيم ارهابي عرفه العالم الحديث.

لذا فأن اعادة الساعدي لهذا الموقع، ليس جبراً للخواطر، قدر ما هي رؤية واقعية من قبل القائد العام للقوات المسلحة الذي رأى ان تفعيل جهاز مكافحة الإرهاب، واعادة قادته الذين صنعوا انتصارات نالت اعجاب العالم بأسره، وتمكين الجهاز من خلال قيادة (فتية) حيوية، ذات مصداقية وازنة، وتحظى بشعبية واسعة، سيكون لها الأثر الفاعل في تفكيك الخلايا الإرهابية، والاسراع في انهاء خطر التنظيم القائم الآن للأسف، نتيجة للفشل والتراخي الذي شهدته المرحلة السابقة.

لذلك فإننا نجزم أن لا أحد اليوم مصاب بالإحباط الشديد والهلع والخوف والانكسار مثل داعش وقادة داعش، فهم يعرفون جيداً  من هو القائد عبد الوهاب الساعدي، وماذا يعني قرار  رئيس الوزراء بإعادته في أول اجتماع يعقد لحكومته، وماذا يريد الكاظمي أن يبعث من رسائل، وإشارات دالة، الى داعش لإرهابهم وإلى العراقيين لتطمينهم، والى شعوب المنطقة، والمجتمع الدولي ايضاً، وكأنه يريد أن يقول لهم أن عهد الدولة (المريضة) قد انتهى، وإن جيلاً وطنياً شبابياً، معافى، قد تطوع لإدارة المرحلة بشجاعة، فكان إعادة الفريق الساعدي أحد مفاتيح هذا العهد الشبابي الحيوي.

ولا نخفي عليكم ان البعض كان يعتقد ان الكاظمي سيمنح الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي منصب رئيس اركان الجيش – الشاغر بخروج الفريق عثمان الغانمي – لكن الكاظمي القارئ الجيد لتضاريس الواقع، اتخذ قراراً ذات دلائل واضحة، فهو يريد أن يقول: أننا بحاجة الى قائد (يكافح الإرهاب)، وليس لرئيس أركان، فالجيش العراقي يضم قادة اركان كبارًا ربما أفضل من الساعدي، لكنه لا يتوفر على قائد كبير بحجم وتجربة (أبو ابراهيم) إلا ما ندر!

إذاً، فإن قرار إعادة وتعيين الساعدي بمنصب رئيس جهاز (مكافحة الإرهاب) كان قراراً مقصوداً. وعملياً، ومتطابقاً مع متطلبات الأمن الوطني لا غير.

وهناك قراءة أخرى لقرار اعادة الساعدي، مفادها أن الرئيس الكاظمي الذي قال في اولى خطاباته المتلفزة، أن عصراً جديداً قد بدأ في الظهور، عهد تكرم فيه المهنية، وتعزز فيه القدرات، وتستقطب الكفاءات، وتستبعد ايضاً كل المجاملات والمحاباة التي تسببت بتراجع مريع في السنوات السابقة، بات واضحاً فيه أن قرار اعادة الساعدي، يمثل صافرة البداية لرفع الغبن والحيف الذي طال شخصيات مهنية مرموقة في ظل حكومة عبد المهدي، التي لم تجد غضاضة وهي تبعد المخلصين، وتقصي الأوفياء والشجعان من مواقع المسؤولية التي رووها بدمائهم وتضحياتهم الجسام.

باختصار أن الكاظمي قد قال لنا في قرار اعادة الساعدي، بشكل مباشر أو غير مباشر: أن لا أحد يظلم عندي مستقبلاً.