الحلبوسي والخزعلي … صناعة التقارب الوطني وتجسير الهوة في برنامج عمل واقعي


من تابع اللقاء الأخير الذي جمع رئيس مجلس النواب العراقي السيد محمد الحلبوسي مع زعيم حركة أهل الحق في العراق الشيخ قيس الخزعلي، سيعرف أن ثمة وعياً سياسياً متقدماً، وان الحكمة السياسية والعقلانية قد حلت في الأروقة بعد طول شطط، وإبتعاد من قبل بعض الذين تصدوا للمشهد السياسي، لاسيما أولئك الذين يدعون تمثيل المكونات الاجتماعية في البلاد، نعم، فقد ظهرت الان مؤشرات حسنة تدعو للتفاؤل في أن ما كان يطرحه البعض كشعارات في وسائل الإعلام، بات حقيقة ماثلة للعيان، وثمة من أصبح يترجم التنظيرات السياسية في الدعوة الى نبذ التعصب المذهبي والطائفي والقومي، الى عمل ملموس، عبر صناعة تقارب حقيقي بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة في مختلف الساحات الإجتماعية والسياسية، وهذا بالذات ما يقرأه المراقبون في خطوات الرئيس الحلبوسي الذي بات مكتبه ملتقى وطني، ومكانا، جامعاً يستقطب المختلفين، ونقطة حوار  يشترك في حلحلة الأشكالات، وفي صياغة الرؤى الوطنية بما ينسجم تماماً مع المسؤولية الوطنية التي يضطلع الرجل بأدائها، عبر تصديه لرئاسة أعلى هيئة تشريعية منتخبة شعبياً. منذ سنوات طوال ونحن ننادي بضرورة ان يتحول المجلس النيابي الى ساحة حوار وطني، وفضاء تقارب شعبي، وان يأخذ المجلس دوره المأمول في اعادة انتاج الوحدة الوطنية، ومد خطوط التقارب القائم على فهم مساحات وادوار الجميع بلا تمييز ولا استبعاد، وعلى قاعدة التشارك والتفاعل الصميمي، وهذا ما تعكسه مناخات العمل الوطني الحقيقي الذي يؤديه الحلبوسي، عبر اللقاءات المستمرة مع مختلف الفعاليات الوطنية والسياسية والاجتماعية، وكان آخرها مع الشيخ قيس الخزعلي. فهذا اللقاء لم يكن لقاءً بروتوكلياً عادياً، بل كان نقطة لأثبات منهج جديد، وتثبيت مكان للتصارح والكشف عن الخفايا، والحديث بجرأة عن العقبات التي تعيق، والمشاكل التي تعرقل، فقد برز  الحديث عن المفقودين من مناطق وسط وغرب العراق، لكن حضور هذا الحديث لم يكن مطالبة طائفية على لسان الرئيس الحلبوسي، كونه ينحدر من هذه المدن، بل الحديث جاء على لسان الخزعلي، الرجل الذي يقود تشكيلاً فاعلاً في الحشد الشعبي، والقائد المميز في المقاومة الإسلامية، حيث يتبنى الرجل حملة غير عادية للكشف عن مصير هولاء العراقيين، ويتحدث بجرأة وشجاعة في تفصيلات هذا الملف، ويدعو بجدية وواقعية الى تفكيك هذه المشكلة وإنهائها تماماً، كي لا تستغله قوى، وجهات، كقنبلة موقوتة تنفجر في وجه الجميع. ولم يترك الحلبوسي الفرصة في التأكيد على سعي حثيث من إجل استكمال حلقات بناء الدولة، ومشروع اصلاح مؤسساتها بما يضمن الوصول الى مؤسسات فاعلة وحقيقية، ويضمن تحقيق مواطنة متكافئة، ليكون العراقي في اية بقعة من بلاده مواطناً من الدرجة الأولى، وهذا هو السعي والدأب لكل من يحمل هاجس التقارب الوطني، ويمنح العراق فرصة التعايش القائم على مبدأ التعاضد والتكاتف لا الاقصاء او الفرض. ان مثل هذه اللقاءات الشجاعة التي تحدث اليوم، ومثل هذا الطرح الجريء الصادق يعيدنا الى ما نادت به المرجعية العليا في النجف، ممثلة بسماحة السيد السيستاني، حينما التقى شخصية سياسية سنية قبل عشر سنوات، فتحدث له الأخير عن مظلومية السنة ومشاكلهم، فما كان من السيد السيستاني الا ان يطلب منه الا يحدثه عن حقوق السنة بإعتباره سنياً، أو ممثلاً لطائفة ما، إنما يفترض به الدفاع عن حقوق الشيعة، ونقل هموم الشارع الشيعي قبل السني، وبالمقابل تمنى السيستاني ان يسمع من السياسي الشيعي هموم ومشاكل وحقوق أبناء السنة قبل ان يسمع منه مشاكل أبناء طائفته الشيعية. نعم، فهذه الرؤية التي اراد لها السيد السيستاني ان تتحول لمنهج سياسي يرسخ الوطنية قبل الانتماءات الأخرى، ويشجع الانفتاح على الأخر، ويكسر حواجز العزل المصطنعة، ولعل المفرح في الأمر  أن نجد بعد عشر سنوات على أمنيات المرجعية، ثمة من يترجمها لفعل، وأن تجد رغبة السيد السيستاني طريقها للتنفيذ من تحت قبة المجلس النيابي، بعد أن نجح الحلبوسي بخطابه المعتدل وانفتاحه على الجميع، بل وتبنيه لقضايا الوطن من اقصاه الى اقصاه، فيحولها الى منهاج عمل سيجني العراقيون ثماره قريباً بعون الله، تعايشاً ووئاماً والتئاماً، وسيقطع الطريق امام المستثمرين في الطائفية والاقتتال الأهلي، فلقد انتبه وادرك الجميع، ان زمن الاحتراب الداخلي كان خسارة للجميع، وان اعادة ميل الساعة الى الوراء لن يحدث قطعاً، ما دامت الدماء العراقية قد توحدت في الدفاع عن حياض الوطن، يوم لبى العراقيون بمختلف اطيافهم النداء للدفاع عن ارض المقدسات الغالية أمام داعش الإرهاب. نشد على يد الحلبوسي والشيخ الخزعلي وعلى يد كل مخلص وطني يتقدم خطوة بأتجاه الاخر، ويضع لبنة في بناء التقارب والتعايش، وينكر ويستنكر كل ما يسيء للوحدة الوطنية، ويخدش صورة الأخوة العراقية الصافية