بعد ان غادرها الزاملي… العدل في ورطة !


لم تشهد وزارة العدل العراقية منذ 2003 ولغاية استيزار الدكتور حيدر الزاملي استقراراً مهنياً وعملياً كما شهدته في الفترة المحصورة بين عامي 2014 وعام 2018، حيث بظهرت في تلك الفترة ملامح جدية لعملية تحول جذري في قرارات الوزارة وخطوتها، فضلاً عن انهاء حالة الحزبية والفوضى والفساد التي كانت مستشرية، فالزاملي استطاع بعد ان نفض غبار السنوات السابقة عن هذه المؤسسة المهمة، ان يعيد فرض سلطة القانون والعدل في وزارة كانت تحمل العدل اسماً فحسب!

واستطاع الزاملي مد جسور تعاون حقيقية مع الوزارات الأخرى، فحول العدل الى جزء فاعل في مجلس الأمن الوطني، وحولها ايضاً الى جبهة مفتوحة بوجه الأرهاب، وبالتوازي مع ضربات قواتنا المسلحة لتنظيم داعش الارهابي واذنابه، كان الزاملي يوجه ضربات قاصمة عبر تنفيذ قرارات القضاء العادل بعتاة المجرمين والارهابيين، حيث شهد عهد الزاملي دوراً كبيراً لوزارة العدل في اعدام الشخصيات الارهابية، وضرب التنظيم بالصميم بعد أن كانت ثمة ملايين ومخططات لئيمة تدبر سراً وعلناً لتهريب هولاء القادة من السجون، في صفقات نجحت في فترة ما قبل الزاملي، لكنها لم تجد متنفساً  في ظل ادارة حازمة من قبل الزاملي الذي وقف بالمرصاد لهذه العملية الخسيسة.

واذ نجح الرجل في ادارة المؤسسات الاصلاحية، فأنه استطاع ايضاً اصلاح قطاع التسجيل العقاري، الذي كان جرحاً نازفاً من خاصرة العراق، بعد ان حولته جماعة سياسية تدعي “الفضيلة” الى مورد مالي عبر صفقات السرقة والاستيلاء الذي مارسته، فأنهى ملف كتاب العدول، ومأسس هذا المفصل، فبات جزءاً من المؤسسة المنضبطة التي تعي وتنفذ ما لها وما عليها، فكانت العدل بشهادة من تابع اداء الزاملي نموذجاً للوزارات التي قامت بعد طول كبوة.

 لكن الارادة التخريبية، والحزبية، وما يسمى بـ ” الدولة العميقة” المتخفية في مفاصل الدولة، استطاعت ضرب هذا المنجز كله عبر تعطيل تسمية الزاملي مجدداً لهذه الوزارة، وهو الناجح المستقل، بل وذهبت الى أبعد من ذلك بتعطيل تسمية أي وزير للعدل في حكومة عبد المهدي الناقصة لغاية الآن.

واذا كانت بعض الرؤوس والاذناب قد مارست السبات المؤقت في سنوات الزاملي، فأنها باشرت الحركة هذه الايام بهمة ونشاط ملحوظ، لتعود هذه المؤسسة الخطيرة والفاعلة  الى ذات الحالة القديمة، وتعود الصفقات المشبوهة من جديد، فيما يكتفي رئيس مجلس الوزراء بالتفرج على هذا المسلسل من التردي والخراب دون ان ينبس بكلمة بعد أن وضع الوزارة كلها بكفة القوى الكردية التي لا تزال متصارعة حول شخصية المسؤول الذي سيتولى ادارة هذه الوزارة المهمة.

ولأن استعادة قوى الدولة العميقة لمراكزها، عملية ليست مستحيلة، خصوصاً أنها ممتدة في مفاصل الدولة، فأنها الآن نسجت خيوطاً مع الجهات المحتملة لتولي المنصب، واعادت بناء التحالفات داخل المؤسسة العدلية مجددًا، وبدأت بالتحرك من اجل سد أي ثغرة تركتها حملات التعرية والفضح والمعالجة التي دشنها الدكتور حيدر الزاملي في جهوده التي انتهت من تنظيف المؤسسة العدلية، لكن للأسف، فإن التخاذل والتخادم والرغبة بالتسلط، تطيح بكل جهود الخيرين في بناء مؤسسات الدولة العراقية.

فهل سينتبه رئيس الوزراء الى مكامن الخطورة، ويتفحص الطريق قبل ان تسقط اهم وزارات حكومته واخطرها في مستنقع الإرهاب وملحقاته، من فساد ورشى وتهريب قتلة وبيع مناصب وتزوير سجلات ونهب ممتلكات وغير ذلك؟

اللهم اشهد إنا بلغنا !