لماذا اختار عبد المهدي بعض وزرائه من العوائل البعثية، المعادية للطبقات الفقيرة.. وهل لجذوره الأسرية والبعثية علاقة بالإختيار ؟


لا يزال البعض مصدومًا مما وصل اليه الحال، وكيف تبخرت الإحلام العريضة التي بنيت على رجل كان لسنوات طويلة يظنه الجميع ” منقذًا” للعملية السياسية، ويدعم ترشيحه لشغل المنصب الأول في الدولة العراقية – رئاسة الحكومة- نظراً لسعة اطلاعه وخبراته السياسية المتراكمة، حيث كان الكثير منا يتصور ذلك، فضلاً عما يكتبه من تنظير سياسي وتشخيص لافت لعلل العملية السياسية واخفاقاتها، وطوال سنوات اعتكاف عبد المهدي العمل السياسي، كان يبشر تلميحًا أنه – لو وصل – لسدة السلطة، فأن مسارات كثيرة ستتغير، وأن عملاً دراماتيكيًا ستشهده العملية برمتها في حال تسنمه موقعه، لكن هذه الآمال العريضة تبخرت في أول 100 يوم، مع الاخفاقات في التشكيل، واستعانة الرجل بوجوه أكل الدهر عليها وشرب، أو من ابناء عوائل الاقطاع السياسي والديني الى الكابينة الوزارية، ومحاولاته المستميتة لتقديم وجوه ذات ولاء واضح لحزب البعث المندحر ، كما يحصل في الكثير من الاسماء المرشحة لشغل وزارة الدفاع المدعوم من صديقه الحميم ” اياد علاوي” الذي يشترك معه في شطر من تاريخ عملهما السياسي كعضوين كانا نشيطين في صفوف حزب البعث المقبور، بعد أن اطاحت ثورة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم بنظام الاقطاع الملكي الذي كانت عائلة ” المنتفجي” والد عبد المهدي وعائلة علاوي والد اياد ابرز وجوهه الاقطاعية المعادية للفقراء وطبقات الشعب الدنيا، فكان انتماء الرجلين في ريعان شبابهما لحزب فاشي ورجعي كحزب البعث وانتسابهما إلى الحرس القومي الذي ارتكب من الجرائم بحق الشعب العراقي مايندى له الجبين، بمثابة رد فعل متوقع من ايتام العهد الملكي للثأر من النظام الجمهوري الذي صالح الدولة مع الفقراء، واعاد الاعتبار للطبقات المتضررة من سياسات النظام الملكي العميل.

اذا ما قرأنا هذه الخلفية التأريخية لكلا الرجلين، سنرى بوضوح أن ثمة وشائج واضحة بين حكومتي عبد المهدي وعلاوي، فالأخير ما ان تسنم رئاسة اول حكومة في عراق ما بعد 2003 حتى عاد بالوجوه البعثية الكالحة للسلطة، ومكن رجال البعث من مؤسسات الدولة مجددًا، وهو حنين مفهوم بلحاظ الانتماء السابق للرجل ولعقيدته السياسية الدفينة في تلافيف لا وعيه ايضاً، حيث يعتقد أنه مدين لهذا الحزب بإعادة الاعتبار له ولأرثه السياسي، فلمَ يكرر عبد المهدي ذات السيناريو مضافاً اليه تقديم اسماء داعشية وقاعدية، بالاضافة الى اسماء بعثية واضحة.

فقراءة بسيطة لوزارة عبد المهدي – الناقصة – لغاية الآن، نسبة الى النقص في عدد الوزراء وليس غير ذلك طبعاً، سنرى بوضوح أنه استقدم وزيراً يسكن في عمان وهو بعثي بدرجة رفيعة وشغل مناصب كبيرة في حكومة البعث، ومن عائلة بعثية بالتمام والكمال بل أن احد اشقائه شغل منصب مدير أمن محافظة مقدسة في ايام صدام، ليستوزره على أهم وزارة عراقية، فيما جيء بشخصيات أكثر ارتباطًا بالبعث لتتسنم وزارة مهمة في إعادة واضحة لوجوه النظام السابق، ولا ندري لمَ كل هذا الحنين، وكيف يرى – ابو هاشم – الأمور، ولم يعاملها من منطلق إيدلوجي بحت مع أنه يدعي أنه من محافظات عانت ما عانت من ظلم البعث وطغيانه وابادته لها بالكامل.

ثمة مشكلة اضافية تعقد الأمر في كابينة عبد المهدي – الخديجة – فالى جانب ذوي الأرث البعثي، فأن الرجل استوزر شخصيات كانوا امراء في القاعدة، وبشهادة ضباط ومسؤولين أمنين وقادة كبار، وسط دهشة الجميع، وتساؤلاهم عما يحدث في العلن من مهزلة اسمها التشكيل الوزاري الخامس في العراق، ولئن هان الأمر في استيزار أمير قاعدي في وزارة ما، فأن صدمة ترشيح وزيرة من عائلة داعشية، كانت الأمضى والأكثر ايلامًا للناس التي لا تزال جراحها تنزف وتنز دماً عبيطًا من إجرام داعش وعصاباته الفاجرة، فكيف اقتنع عبد المهدي بهولاء، أن سلمنا جدلاً أن “الانتماء” السياسي السابق كان حاكمًا نفسياً لربما في تقريب بعض وجوه البعث، فهل يعقل أن يتساهل مع وجوه القاعدة والدواعش.

واذا كانت هذه الخيارات ليست خيارات الرجل، وأنه وجد نفسه محشوراً في خانة فرض الارادات السياسية، فلم كل هذا التهافت على المنصب، ولماذا لا يستقيل، ويرمي تكليفهم في وجوههم ، أليس هو الزاهد الرافض لمناصب الدولة كما يدعي في كتاباته، فأي زهد هذا، والرجل راض -من اجل المنصب-بكل ما يجري له من (بهذلة وتمطمط مقصود)؟ لذا، فأننا نطالبه بالزام نفسه بما الزم به غيره، حين كان يغمز من قناة رؤساء الحكومات السابقة في مقالاته المتعددة ويتهمهم، بل ويسخر منهم، كونهم كانوا مسيرين من قبل الكتل السياسية، فما حدا مما بدا أيها السيد، لتقبل أن تصبح إلعوبة بيد قادة الكتل من يسارها الى شمالها، وأن تستوزر من لا قناعة لك به ولا قبول له من الشارع، اللهم الا إذا كنت مقتنعاً ومتعاطفاً مع (بعثيتهم) ؟!

هناك نقطة نود ان نعرضها على (السيد)  مفادها ان الفقراء لمَ يشعروا، بل ولم يتعاطفوا مع حكومة عبد المهدي، وكأنهم يعرفون جذور وانتماءات وعقيدة رئيسها، ويدركون بحسهم الطبقي أنها حكومة طبقة سياسية منفصلة عنه في الغالب الا ما ندر، وإلا لمَ غيبت كفاءات العراق التي تمتلئ بها الجامعات، والمعاهد والمؤسسات الحكومية، لصالح هذه النخبة – الاقطاعية- الا ما ندر طبعًا، ولم وضع عبد المهدي الشمع الاحمر على تجارب ناجحة في حكومة العبادي ومثلت اجماعًا لدى العراقيين والقوى السياسية ذاتها، كتجربة وزراء العمل والداخلية وغيرهم، ولمَ لا يعاد الاعتبار لهذه التجارب الناجحة ويتم تعديل مسارات انحرفت كثيراً بشهادة اقرب المقربين من عادل عبد المهدي ذاته، هي ليست ملاحظات عابرة، إنما هي في الواقع اسئلة حائرة لا يمكن أن يجيب عليها الا عبد المهدي ذاته، ويخبرنا كيف جرى كل هذا، وكيف مررت كل هذه الصفقات، ولا يزال العمل جارِ على تمرير الغير، خاصة وأن عمان البعث مزدحمة بالأفاعي المسمومة ا!!